« مسارات في حميم الذات » لبهجت رزق

« مسارات في حميم الذات » لبهجت رزق




اعترافات ليلة طويلة


 



هل التأمل في الموت كاف لتعزيم الخوف منه؟ بهجت رزق في كتابه « مسارات في حميم الذات » الصادر في فرنسا عن دار « أوريزون »، يدعو قارئه الذي عرفه سابقا في « ثوابت هيرودوت »، إلى جزيرة موحشة كامنة في حميم الذات، يتحاور فيها نقيضان، الحياة والموت، المحاور فيها هو الإنسان المنعزل في أعماقه، على حافة الجنون، حيث تغدو الجدران مرايا، والوجود يتأرجح بين ولادة وموت. 



نزهة غريبة لهذا المتجول على جزيرته الجوّانية، رجل لا إسم له ولا آثار تدلنا إلى منبعه، فهل يكون في هذا العنوان الكبير الهوية الهاربة لذلك الغريب الذي يغمس ريشته على مثال الذين تغرّبوا عن أرض الوطن، لا ليكتب شعرا ومسرحا ورواية، بل ليختصر الغربة في حميم ذاته، حيث الحياة في سعي توافقي مع الموت، وحيث يغدو القلم أليف الموت، يناجيه ليعزّم الخوف منه.

على القارئ ألا يضل طريقه إلى جوهر هذا الكتاب المشيّد بلمامات حياتية متلاصقة، من دون أن تتخاوى، غريبة ولا تسعى اندماجا، ترحل به إلى أماكن إفتراضية رسمت جغرافيتها بشحطة ريشة، ناسها إفتراضيون، تتهامس فيها ذكريات، ومواعيد ولقاءات وهمية، وربما حنين مكسو بأحاسيس وقورة مستترة. من هذه الرحلة المفككة إلى العالم الغربوي، ثمة خط قائد يعيدنا دوما إلى الهوية الهاربة حيث سيرة الكاتب ملتبسة بشخصية وهمية، تحاكي الموت، من خلال يوميات. وهل للموت أو الإشراف عليه تقويم على عدد أيام الأسابيع؟ لكن، ما همّ، ما دام هذا الواقف على خيط رفيع بين تناقضات الوجود يأخذ ريشته ويكتب: « الكتابة بأسلوب يوميات، مشروع لا يخلو من الغرور، لكني هذا المساء أشعر بقبضة القلق تخنقني. لقد بت على يقين. هوذا الموت يقترب بخطاه الماردة. أسمعه على حصى الشاطئ المحاذي لبيتي ».

هل هذا الذي يقول بتّ خارج إطار الحياة، يلجأ إلى الورقة في هذا المساء يكتب عليها مخاوفه، لعلّه بالكتابة يخفف من وطأة الموت، كأنه في مناجاته، يسهل عليه اجتياز الحاجز للولوج في عالم الأموات؟

« مسارات في حميم الذات »، كغراب يفلش جناحيه القاتمين على أجواء هذه المغامرة الأدبية الجذابة بكلماتها المرصّعة بيد جوهرجي، ويجد ربما في ملاقاة الذات زمنا للبوح عن هذا الشيء المستوطن أغوار الأنسان، الخط الهش بين العالم الجواني والعالم الخارجي، بين شمس ضاحكة توحي بالحياة وشمس سوداء هي في النفس البشرية درب إلى الفناء.

كيف لا يعود القارئ إلى البدايات ليعيد التعمق في تجربة عبثية ينعتها الكاتب بذلك الشعور بالعدم الذي على صفحته تنحفر أحداث حياته، بعد أن يكون أكمل مسار الكتاب في بحثه عن حقيقة ذلك الإنسان المتوغل في شباك الموت، في فصل « شغف » أو « آلام »، بحسب ما تعنيه للكاتب كلمة Passions  ، ثم في الفصل الأخير « أمهات داخليات ». لا يكتب بهجت رزق سيرة حياة في القسم الأول من الكتاب. هو يدخل في قنوات عبثية قائمة على الشيء ونقيضه، يهيم في أجواء عالية من الطهر والسقوط في الهوّة: « أطير، أختنق، أبتعد، أضيع، سجينا بين تاريخين، تاريخ ولادتي وتاريخ موتي ».

ثمة انفراج في القسمين الأخيرين بعد أن يكون في القسم الأول أخذنا للتنزه بين الأحياء والأموات: « أشعر بأني لمست الجنون، أحلّق فوق الرؤى الأكثر عبثية، مشوهة، مريعة ». السؤال يطرحه حول وجوده، ماذا جئت أفعل على هذه الأرض »، يغدو طارئا ما دام الموت إحساسا دائما يسكنه، يزلق بينه وبين العالم.

أجل ثمة انفراج حين ينتقل إلى الأم ثم إلى الأب، فيعود هذا الولد الذي نشأ في عائلة أعطته المزايا التي أجاد إتقانها، فكما يأخذنا في كوابيس الموت يشرّع لنا ذات بيت عاش فيه طفولته، فنشعر بالشمس تخترق نوافذه لتعود الحياة كما في الأمس. فلماذا يا ترى، سمح للظلمة أن تولّد فيه كل هذا الحزن؟ الحزن لا يتقبله كعاهة تفسد معنى الوجود بل مرآة تعكس له الأبدية.


 


مي منسى


الثلاثاء 07 آب 2012- السنة 80 – العدد 24813 جريدة النهار

Laisser un commentaire

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.